| هاهي ملامح الشاعرت السوريات تتبلور منذ ظهور سنية الصالح وأمل جراح إلى دعد حداد ومرام مصري وما قبلهن, وصولاً إلى جيل الثمانينيات . وما بعده حتى الآن, لتأخذ تلك المجموعة القليلة من الأصوات الشعرية الخاصة كنموذج مثالي تجاوز حدود البوح التقليدي من الخواطر الى منطقة الشعر الجديد, عبر ميزات أساسية تنحصر في: اللغة الومضية الطازجة والإيقاع الموسيقي الخاطف, بصفتهما عنصران فنيان أسهما في تنوع القصيدة ذات الصوت النسائي, وعليه فإن ظهور أصوات جديدة منذ فترة وجيزة في الحماسة الآسرة نفسها التي تركتها بصمة الشاعرت المميزات آنذاك يحتم إجراء رصد حقيقي يلقي الضوء على تطور القصيدة عند الشاعرات السوريات اللواتي برزن منذ فترة نذكر منهن (لينا شدود- لينا تقلا- ميسون شقير- فرات إسبر- رولاحسن- هنادي زرقة) وأخريات كثيرات يعشن في الظل. وهنا نخص هذه الفسحة لإلقاء الضوء على الشاعرة السورية «ميسون شقير» التي فازت بجائزة المزرعة للشعر عن مجموعتها الشعرية (اسحب وجهك من مرآتي) الصادرة عن دار بعل-2009 , تبدو ملامح قصائدها الموحشة متداخلة بين اللقطات الشعرية القصيرة والقصائد ذات الإيقاع البطيء والموحد ضمن عالم ومضي من اللغة الرشيقة والصورة الشعرية القائمة على المفارقة والمجاز المكثف تكثيفاً واضحاً ما يدل على تجارب حياتية من لحم ودم, ولكن القلق في ترتيب نماذج القصائد حسب اختلاف سويتها ظهر مكشوفاً تماماً, فعندما تشبه الشاعرة حالة الاشتهاء بطقس الجوع فإنها لا تخرج من إطار التصور المسبق لما سيأتي بعد فاتحة العنوان, حتى يشعر القارئ أن كلمات القصيدة لا تبتعد عن احتمالات النبض المألوف شعرياً, تقول في قصيدة بعنوان « جوع هرم» : (لا تهزني/ بكل هذا الجوع / ستنكسر أغصاني/ بكل ما تعد من مواسم/ قبل أن تلم يداك/ ما يسقط مني/ من ثمر.) ص 21. وسنلاحظ مدى ضيق تلك الدهشة التي تحاول تكوينها الشاعرة وذلك باستخدامها كنايات مستهلكة, الأمر الذي يجعلنا نلتقط قصيدة اقصر من تلك وبدهشة اشد تأثيراً, كما في قصيدة بعنوان «حطب» (هذا الشتاء/ كنا مواقد بعضنا/ وربما/ كلانا كان الحطب) ص 22- هنا يمكننا تلمس القدرة الشعرية على ضبط كلمات تحريك القصيدة وحصرها في عنصر (الدفء) باقتصاد لغوي يخلق صورة شعرية أكثر إقناعا وأشد اختلافاً عن تلك السابقة, ويمكننا أيضا إضافة مكاشفة أخرى تثبت إمكانية اتزان اللغة الشعرية بسرد موفق ومختصر ذي نهاية صادمة إلى حد ما, حيث تبدأ الشاعرة قصيدتها (سجود) بفعل ماض يفضح الذاكرة في ظل طقس لاهوتي مفاجئ مشحون بكبرياء عال ووقع تصويري ميلودرامي, تقول: (بصلصالي صنعت يداك/ كل التماثيل/ والآلهة/ بيديك/حملت/ كل التماثيل والآلهة/ مطرقة / وحطمتني/ حين رفضت السجود) ص43, هذه السردية أعطت بعض القصائد خصوصية جمالية بسيطة رفعت من نوعية النصوص, كما في قصيدة (اعتراف) التي تأتي تأكيداً على ضرورة السرد في النص القصير عند ميسون شقير ليتشكل أمام عيوننا مشهد حركي من أمنيات الفرح المشبهة هنا بالفصول ووقعها على الإنسان, من غير أن تغيب شعرية الكلمات رغم بساطتها: (انا لا أموت إذا تعريت بالخريف/ لكني أذبح لآخر الجذور/ إذا مر الربيع/ ولم أورق) ص18 في مجموعة ( اسحب وجهك من مرآتي) الكثير من مفردات البيئة الريفية التي تحيط بطقوس أهل الفلاحة, لتجعل عناصر تلك البيئة من حطب ورماد وأغصان متكسرة وأشجار وحيدة وانهار متعبة وعصافير موحشة وخريف أجواء خاصة ترتكز عليها أدواتها الفنية لخلع الجسد عن الروح وإطلاق العنان لأحلام الحب ومنافذ الماضي حتى ينتهي حساب الغرام مع حبيبها وهي تقول له: (يا أنت اسحب وجهك من مرآتي/ حتى أمشط شعري/ ولا أجد/ شعرك الشقي/ على الفرشاة) ولكنها تغدر القارئ بما تشتهي فلعبتها الأخيرة مع الشعر ( تشكل فرصة كبرى لتربح عاشقها : (دع ظلم المشاكس/ تحت غطائي /ينعس قليلاً/ فمازالت بي/رغبة/ للحلم هكذا نلمس في هذه المجموعة نقاطاً أساسية تتقاطع فيها الشاعرة ميسون شقير مع أسلافها وهي أقرب إلى عوالم الشاعرة الراحلة دعد حداد من حيث خصوصية الحالة ودخولها ضمن نطاق الحاجة الداخلية لكتابة الذات اولاً ثم لتحول تلك الطاقة الروحية إلى محاكاة مع المحيط من أشياء وكائنات وحوادث, إلا أن ميسون شقير تكتب هنا بأدوات زمنها محاولة الخروج من أصوات الآخرين, وربما قصدت أن تستحضرهم جميعاً لتتخلص منهم دفعة واحدة بين دفتي هذه المجموعة وتعلن وجودها على خارطة الشعر بشهقة القصيدة الخاطفة أنس اليوسف |